المؤتمرات العلمية.. ساحة الاستخبارات الأمريكية لاستدراج وتجنيد العلماء النوويين (مترجم)

البديل 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

نشرت صحيفة “الجارديان” البريطانية تحقيقا أعده دانيال غولدن، يكشف مدى توغل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في الأوساط الأكاديمية في جميع أنحاء العالم. فبطاقة الدعوة لحضور مؤتمر ربما تعني أنك إما شخص مستهدف تجنيده أو تؤدي دور في مسرحية تُدار عن بعد.

إليكم نص المقال:

ليس من المستغرب أن يكون لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ( سي آي أيه ) عيون ووكلاء في  مختلف الأوساط لتنفيذ مهامها، لكن ربما التوغل الأكثر جرأة واتساعا لها هو في الأوساط الأكاديمية. أنفقت وكالة الاستخبارات الأمريكية ملايين الدولارات سرا على تنظيم مؤتمرات علمية مزيفة في جميع أنحاء العالم للوصول إلى المنشقين المحتملين من البلدان المعادية.

وكان الغرض من تلك المؤتمرات هو إغراء العلماء النوويين – لاسيما في دول مثل إيران أو كوريا الشمالية – للسفر خارج أوطانهم إلى مكان آخر يستطيع فيه أفراد المخابرات الأمريكية الوصول إليهم والاقتراب منهم بشكل فردي والضغط عليهم للانشقاق وتنفيذ أهداف الأجندة الأمريكية.

بعبارة أخرى، تعمل السي آي أيه على استغلال العلماء والأكاديميين الذين يحضرون ويتحدثون في المؤتمرات والندوات العلمية والذين لا يكون لديهم فكرة أنهم كانوا يؤدون دورا في مسرحية تحاكي الواقع ولكنها كانت تدار عن بعد.

هل دواعي الأمن القومي تبرر هذا التلاعب، هذه مسألة محل نقاش، ولكن ليس هناك شك أن معظم الأكاديميين قد صدموا من كونهم تعرضوا للخداع ضمن مخطط السي آي أيه.

أكثر من أي مجال أكاديمي آخر، المؤتمرات هي ساحة قابلة للتجسس. بفضل العولمة، أصبحت هذه الطقوس الاجتماعية والفكرية منتشرة في كل مكان وتحظى باهتمام كثيرين، والهدف ليس جائزة مالية ولكن الوضع والهيبة الاجتماعية.

على الرغم من أن الباحثين يتواصلون طوال الوقت إلكترونيا، لكن الاجتماعات الافتراضية ليست بديلا عن اللقاء فعليا مع أقرانهم، والتحقق من أحدث الأدوات وتقديم الأوراق التي سيتم نشرها في وقت لاحق في مجلدات وقائع .

يقول الروائي الإنجليزي، ديفيد لودج، في كتابه “العالم الصغير” إن جاذبية المؤتمرات تنبع من الجمع بين العمل الاحترافي والسياحة، وكل ذلك على حساب شخص آخر “اكتب ورقة وأرى العالم”.

ويمكن قياس أهمية أي مؤتمر ليس فقط من خلال عدد الفائزين بجائزة نوبل أو أساتذة أكسفورد الذين يستقطبهم، ولكن من خلال أيضا عدد الجواسيس. أنها تمثل أفضل الأماكن للصيد. في حين قد يوجد بالحرم الجامعي أستاذ أو اثنين فقط من النوعية التي تحظى باهتمام رجال المخابرات، فإن مؤتمر واحد يتم اختياره بشكل صحيح –  حول تكنولوجيا الطائرات بدون طيار أو تنظيم داعش – يمكن أن يضم العشرات.

يقول ضابط  سابق بالسي آي أيه: “كل جهاز مخابرات في العالم يقوم بتنظيم ورعاية مؤتمرات ويبحث عن سبل جلب الناس إليها”. كما يقول مارك جيلوتي، الباحث والمستشار الخاص السابق لمكتب الخارجية البريطانية: “التجنيد هو عملية طويلة من الإغراءات.. المرحلة الأولى هي الترتيب ليكون في نفس ورشة العمل كهدف حتى لو اقتصر الأمر على فقط تبادل الأحاديث غير المجدية، في المرة التالية يمكن فتح حديث معه، بحيث يبادر العميل إلى تذكير الهدف به قائلا على سبيل المثال: هل التقينا سابقا في أسطنبول؟.

وكان مكتب التحقيقات الفيدرالي قد طالب الأكاديميين الأمريكيين في عام 2011 بتوخي الحذر بشأن المؤتمرات، سواء من الحديث مع غرباء أو أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم.

وتراقب وكالة المخابرات المركزية المؤتمرات العلمية التي تُعقد في جميع أنحاء العالم وتحدد تلك التي تهم. لنفترض أن هناك مؤتمر دولي في باكستان حول تكنولوجيا الطرد المركزي: تقوم السي آي أيه  بإرسال عملائها السريين، أو تجند أستاذ مشارك ليقدم تقريرا عن المؤتمر. وإذا علمت أن هناك عالم نووي إيراني حضر المؤتمر، فإنها تدشن عملية لتجنيده في دورة العام المقبل.

ويقول جين كويل، الذي كان يعمل في السي آي أيه في الفترة من 1976 إلى 2006: “هناك مشكلة واحدة بسيطة. إذا كنت تريد إرسال عميل مخابرات لحضور أحد تلك المؤتمرات، فإنه يجب أن يكون على دراية بموضوع المؤتمر”. بدون الخبرة، قد يسيء الوكلاء فهم الموضوع، أو قد يتعرضون للتزييف.

غالبا ما تبدأ علاقة الجاسوس بالبروفيسور بلقاء يبدو عشوائي في مؤتمر أكاديمي. وأوضح أحد العملاء السابقين لدى السي آي أيه  كيف يتم الأمر، والذي عرف نفسه ب أر (R).

وقال: من بين مهامه متابعة قائمة المؤتمرات المقرر انعقادها، واختيار واحد، وتحديد العالم المستهدف الذي من المرجح أنه سيحضر لأنه تحدث مرتين على الأقل في نفس الحدث في السنوات السابقة.

ويكلف R متدربين في وكالة المخابرات الأمريكية ووكالة الأمن القومي بجمع معلومات مفصلة عن الهدف – مثل المدرسة التي درس فيها ومن كانوا معلميه – ثم يرسل برقية سرية إلى المقر ويطلب تمويل السفر. ويجب أن تكون البرقية مقنعة بما فيه الكفاية للموافقة على طلب التمويل.

بعد ذلك ينشئ غطاءً يستتر وراؤه ويظهر من خلاله – عادة، كرجل أعمال. يخترع اسم شركة، وينشئ موقع على الإنترنت ويطبع بطاقات عمل. ويقوم بإنشاء بطاقات الائتمان والسجلات والهاتف لتلك الشركة الوهمية.

ومن خلال معرفته أن معظم العلماء انطوائيين غير اجتماعيين، يمكن أن تكون البداية مع الهدف على سبيل المثال من خلال الذهاب بجانبه قائلا: “هل تكره الازدحام مثلي؟” ثم يتركه ويسير بعيدا.

ووفقا لـ R، تهدف هذه الخطوة إلي تسجيل وجهك في ذهنه. لا أحد آخر ينبغي أن يلاحظ هذا اللقاء الأول. إنه خطأ مبتدئين التواصل والاقتراب من الهدف أمام الآخرين الذين قد يكونوا معينين من قبل بلد الأستاذ نفسه. وسيقدم هؤلاء الأشخاص تقريرا عن المحادثة، مما يعرض أمن الهدف للخطر ويجعله غير راغب أو غير قادر على الاستجابة للعروض المقدمة له.

أما في بقية المؤتمر، يحاول R خلق كل فرصة للتواصل وكسب ود الهدف. على سبيل المثال، بعد القيام بمهمات البحث، يقول R إنه قرأ مقالا رائعا حول موضوع ما، ولكنه لا يتذكر اسم المؤلف، فيجيب العالم بخجل: “هذا كان لي”.

بعد بضعة أيام، يدعو R العالِم لتناول الغداء أو العشاء ويسرد مثلا أن شركته مهتمة بمجاله، وترغب في دعم عمله. ويوضح عميل الاستخبارات المركزية الأمريكية السابق R أن “كل أكاديمي التقيت به يهتم دائما بمعرفة كيفية الحصول على المنح لمواصلة بحثه”.

ثم يتم الاتفاق على مشروع محدد والسعر، الذي يختلف حسب بلد العالِم. وبمجرد أن تدفع وكالة الاستخبارات لأستاذ أجنبي، حتى لو كان لا يعلم في البداية مصدر التمويل الحقيقي، فإنها تسيطر عليه، لأن التهديد بالإفصاح عن العلاقة يعرض حياته المهنية للخطر أو حتى حياته في بلده الأصلي.

تستعين السي آي أيه عادة حتى لا تظهر في الصورة بواجهات أمامية لإدارة المؤتمرات العلمية أو السياسية التي تنظمها، من بينهم شركة سينترا للتكنولوجيا الرائدة في منطقة واشنطن  – التي تتولى إدارة مؤتمرات السي آي أيه.

تقوم وكالة السي آي أيه بتزويد سينترا بالتمويل اللازم وقائمة الأشخاص المطلوب دعوتهم، الذين يتجمعون في مركز مؤتمرات سينترا في أرلنجتون بولاية فيرجينيا.

تلقت شركة سنترا، التي أنشئت عام 1997، أكثر من 200 مليون دولار في العقود الحكومية الأمريكية، بما في ذلك 40 مليون دولار من السي آي أية. وفي عام 2015، تعاون المسؤولون التنفيذيون للشركة مع مسؤولين إستخباراتيين سابقين. كما أن المؤسس والرئيس التنفيذي لسينترا هو هارولد روزنباوم، مستشار علمي وتكنولوجي سابق لدى السي آي أيه.

ويقول أستاذ السياسة الدولية بجامعة إنديانا بلومنجتون، سوميت جانجولي والذي تحدث في العديد من مؤتمرات سنترا، إن “كل من يعمل مع سينترا هو يعمل في الواقع لحساب الحكومة الأمريكية أو بالأحرى لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه)”.

تسعى سنترا جاهدة لإخفاء علاقاتها بالسي آي أيه. وقد أزالت السير الذاتية لمدرائها التنفيذيين من موقعها على شبكة الإنترنت في عام 2015. وتشمل قائمة “العملاء المميزين” المدرجة في الموقع وزارة الأمن الداخلي ومكتب التحقيقات الاتحادي والجيش و 16 فرعا آخر للحكومة الاتحادية دون ذكر للسي آي أيه.

وعندما تم التواصل مع مكاتب سنترا، قالت مديرة الموارد البشرية، ديانا كولبيتس، إن الشركة لن تعلق، مضيفة: “لكي نكون صريحين،” يفضل عملاؤنا أن لا نتحدث إلى وسائل الإعلام “.

بالنسبة للتعامل مع العلماء الإيرانيين، أنفقت الحكومة الأمريكية – ابتداء من الرئيس جورج دبليو بوش – أموالا طائلة في جهود سرية لتأجيل تطوير إيران الأسلحة النووية. وكان أحد برامج السي آي أيه هو عملية استنزاف الأدمغة التي سعت إلى تحفيز كبار العلماء النوويين الإيرانيين على الانشقاق والهروب من البلاد.

ونظرا إلى أنه من الصعب التعامل مع العلماء داخل إيران، تحاول السي آي أيه استدراجهم إلى مؤتمرات في بلدان صديقة أو محايدة، كما قال ضابط مخابرات سابق. وبالتشاور مع إسرائيل، يتم اختيار العالم المستهدف ثم يُقام مؤتمرا علميا مرموقا في أحد المعاهد العلمية بدعم من عميل وسيط، الذي عادة ما يكون رجل أعمال يمتلك شركة تكنولوجية، أو تنشئ له الوكالة شركة وهمية بحيث يبدو دعمه مشروعا للمعهد، الذي لا يكون على علم بأيادي السي آي أيه.

ويقول الضابط الاستخباراتي السابق إنه “كلما كان الأكاديميون أكثر جهلا كلما كان الوضع أكثر أمنا للجميع”، مشيرا إلى أن الوكالة يمكن أن تستخدم الوسيط لمرة واحدة. ويركز المؤتمر على أحد جوانب الفيزياء النووية التي لها تطبيقات مدنية، بحيث تتفق مع المصالح البحثية للهدف الإيراني.

ومثل الأساتذة والعلماء في أي مكان، سمحت الحكومة الإيرانية أحيانا لهم بالذهاب إلى المؤتمرات، على الرغم من الحراسة المشددة، لمواكبة أحدث البحوث ولقاء موردي التكنولوجيا المتطورة.

وهناك يقوم ضابط السي آي أيه المكلف بالقضية بتجنيد طالب أو مستشار فني أو عارض في كشك بحيث تكون مهمته الأولى إلهاء الحراس بعيدا عن العالِم المستهدف. وفي أحد الحالات، تم تجنيد عامل المطبخ وتم وضع السم في وجبة الحراس، مما جعلهم عاجزين عن حماية العالِم بسبب الإسهال والقيء. كان هناك تجهيز أنه سيتم إرجاع مرضهم لوجبة الطعام على متن الطائرة أو تناولهم وجبة غير مألوفة لهم.

مع الحظ، ينفرد الضابط بالعالِم لبضع دقائق، وتبدأ عملية التلاعب والتجنيد من خلال التودد بالمعلومات والاهتمامات المشتركة. وإذا أعرب العالم عن شكه في أنه ضابط لدى السي آي أيه، يستجيب الضابط ويفاجئه بأنه يعرف كل شيء عنه حتى أكثر التفاصيل حميمية.

وإذا وافق العالم على الانشقاق والهرب، تقوم السي آي أيه بترتيب كل شيء له ولا تدخر جهدا في جلب زوجته وأطفاله إلى الولايات المتحدة وإعادة توطينهم وتوفير فوائد طويلة الأجل، بما في ذلك دفع ثمن كليات أبنائه.

المصدر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق