هل الشباب منسيو الثورات؟

العربى الجديد 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ
انتهت أشغال العلمي الذي عقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عن جيل الشباب والانتقال الديموقراطي قبل أيام. وبعيدا عن استعراض الأوراق القيمة في المؤتمر، وما أثارته من نقاش عميق وثري، فقد خلصت إلى جملة من نتائج علينا أن نستحضرها، لعلها تساهم في إنارة أصحاب القرار وصناع السياسات العمومية، المعنية بالشباب تحديدا، بما يجسر الفجوة القائمة بين هؤلاء والنخب الفكرية.
سيبدو من نافل القول، وبعيدا عن كل تمجيد، إن الشباب هم من قدحوا الثورات العربية والحراكات الاحتجاجية غير المسبوقة قبل ست سنوات. وتدل البيانات عن الجرحى والشهداء في الثورات العربية أن أغلبهم كان من تلك الفئة العمرية. وقد شن الشباب عدة تحركات اجتماعية وسياسية، غالبا ما تجاوزت مطالبهم وحاجاتهم الفئوية الضيقة، حتى غدوا ضمير المجتمع وصوته المرتفع. وعلى الرغم من أنهم رفعوا، في أكثر من بلد، مطالب اقتصادية واجتماعية في بدايات تلك الحركات، فإن لا أحد ينكر أنها كنت أيضا منخرطة في مطالب مجتمعية، ظلت عقودا طويلة مؤجلة، على غرار الحريات السياسية، مقاومة الفساد والعدالة الاجتماعية بين الفئات والمناطق.
شكل الشباب المصري حركة 6 إبريل، وانتظم الشباب المغربي في حركة 20 فبراير، في حين لم يستطع الشباب التونسي تشكيل مثل الحركتين إلا بعد الثورة، ذلك أن الثورة كانت مفاجئة، قصيرة الأمد. ومع ذلك، ظل الشباب التونسي إلى الآن أهم من يحرّك الشارع في 
"ثقافتنا الديموقراطية ما زالت هشة، وتتضمن، في متنها، قيما أبوية عديدة، تغذي الاستبداد"
تفاعل مع القضايا التي تعنيه مباشرة، على اعتبارهم فئة عمرية لها حاجاتها ومشكلاتها، فهذا الشباب أيضا يخوض نضالاتٍ من أجل قضايا مواطنية عامة، فهم منخرطون في الحركات الاجتماعية المناهضة للفساد والمطالبة بالعمل والمساندة للمهاجرين والمناطق المحرومة. ولعل حركة "مانيش مسامح" تظل المثال الأبرز عن ذلك الانخراط الشبابي في قضايا مصيرية سيرتهن إليها الانتقال الديموقراطي عقودا طويلة، لأنها متعلقة بمسار العدالة الانتقالية وترسيخ قيم دولة القانون، ناهيك عن كتابة الذاكرة الوطنية، فضلا عن رسم سبل المصالحة الوطنية.
هل هناك "عقدة جيلية" تتحكم في ثقافتنا السياسية، وتجعل من الحاكم، مهما كان نظام الحكم ومشروعيته، أبا متحكما في أبنائه، ولا يسمح لهم إلا بما يعتقد أنها مصالحهم؟ لا شيء ينفي هذه الفرضية، خصوصا إذا أقررنا أن ثقافتنا الديموقراطية ما زالت هشة، وأنها تتضمن، في متنها، قيما أبوية عديدة، ما زالت تغذي الاستبداد، إذ لا يمكن أن تتصالح الديموقراطية مع السلطة الأوروبية، وهي سائدة ومنخرطة في نزعات الهيمنة والتسلط.
أسقطت تلك الحراكات الشبابية رؤوس الأنظمة الأبوية التسلطية. ولكن ظل عديد من بذور تلك الأنظمة، ثقافة وممارسات، مزروعة في خلايا النسيج الاجتماعي الذي لم تقتحمه الثورات من فرط تكلسه، بل حدث في مفارقةٍ أن اعتلى سدة الحكم من جديد كهول وشيوخ عادوا، هذه المرة، تحت أسماء ولافتات متعدّدة.
لا يمكن أن نرفض ما تنتجه الديموقراطية، ولم يأت هؤلاء الشيوخ من خارج تلك الإرادة الشعبية التي لا يشك أحد في نزاهة ما عبرت عنه الصناديق، على الأقل في الحالة التونسية. مع ذلك، علينا أن نقر أيضا بأن النخب التي حكمت بعد الثورة عجزت عن تغيير الثقافة السياسية، ولم تسع إلى تمكين الشباب بالمعنى السياسي والاجتماعي، خصوصا في ظل منجز اقتصادي هزيل، قد يكون أسوأ مما سجل في الأنظمة التي أسقطتها الثورات. فلقد استفحلت البطالة وانتشر الفساد بنسبٍ قد تكون أعلى مما كانت عليه قبل الثورات، وازدادت الفوارق بين الطبقات والمناطق اتساعا.
حتى نفهم عزوف الشباب عن الشأن العام وانطوائه النكوصي، علينا أن ندرك أن هذا السلوك 
"تقدم النخب الكهلة و"الشائخة" عن الشباب سرديات فيها كثير من الإدانة والدونية"
لم يكن اختيارا، وإنما ضرورة حافلة بالسياقات العامة التي عالجنا بها، نحن النخب، قضايا الشباب. فانفضاض الشباب من الفضاءات العمومية، ومقاطعتهم جل أشكال الانخراط في الشأن السياسي، يعد من أشكال الانتفاض السلبي على تلك "النزعات الأبوية الشيخوقراطية" التي مورست ضدهم بشكل سافر. إنه تشفٍّ من الإقصاء الممنهج الذي يجري عادة باسم حكمة الشيوخ، وكأن حماس الشباب الذي أطاح أنظمةً، وقدح ثوراتٍ، ليس في النهاية سوى هيجان وفوران مراهقين.
تقدم النخب الكهلة و"الشائخة" عن الشباب سرديات فيها كثير من الإدانة والدونية. ولكن لا نعلم أننا بذلك ندعم مبرّرات ترسخ "العقدة الجيلية"، وندفع الشباب إلى مزيد من الاستقالة. لكن علينا في ذلك كله أن ننسب القول، حين نعلم أن لهؤلاء الشباب أيضا أشكالا متعددة من الحضور اللافت في التحركات التي ما زالت تجري في أكثر من دولة عربية، وأنهم يبتكرون أشكالا غير تقليدية من الالتزام، على غرار الحركات الفنية وأشكال التعبير الأخرى، غير السياسية، فضلا عن الفضاء الافتراضي وجدله المثير، إذ لا يعني عدم الانخراط في الشأن السياسي والحزبي، وحتى المدني (جمعيات ومنظمات)، أن الشباب غير ملتزم بقضايا وطنه عموما.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق