تحديات التغيير السياسي في السعودية

العربى الجديد 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ
تمر المملكة العربية ، منذ صعود الملك بن عبد العزيز إلى العرش، بتغيرات سياسية كبرى متسارعة، تبدو كأنها محاولة لإعادة بناء النظام السياسي في المملكة، بشكل يضمن استقرار سلطة ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان (بعد توليه الحكم) أول ملكٍ من أحفاد الملك المؤسس، عبد العزيز آل سعود.
من أجل هذا الهدف، أقدم النظام الحاكم على إحداث تغييرات ضخمة متعاقبة، تصب في اتجاه واحد، وهو تركيز السلطة ومصادرها المختلفة في يد ولي العهد. فعلى الصعيدين السياسي والأمني، عُيّن الأمير محمد بن سلمان وزيراً للدفاع فور تولي والده الحكم. وبعد ذلك، أُزيح ولي العهد السابق، الأمير محمد بن نايف، عن ولاية العهد وعن قيادة وزارة الداخلية. وأخيراً، أُقيل الأمير متعب بن عبد العزيز من رئاسة الحرس الوطني، لتتركز قيادة المؤسسات الأمنية الرئيسة الثلاث في المملكة، الجيش والحرس الوطني والداخلية، تحت قيادة ولي العهد الشاب محمد بن سلمان، من دون منافسة أمراء نافذين من الأسرة الحاكمة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تم توقيف أكثر من 200 أمير ورجل أعمال سعودي في قضايا فساد، وتم التحفظ على ثروات تقدر بأكثر من 100 مليار دولار، وفقاً لتصريحات النائب العام السعودي. ويمتلك الموقوفون عدداً من أهم وسائل الإعلام العربية وأكبرها، منها قنوات العربية وروتانا. وبهذا تَركّز مزيدٌ من القوة الاقتصادية والإعلامية في يدي ولي العهد.
وعلى الصعيد الديني، تم القبض على عشرات الدعاة ومشايخ الدين واسعي التأثير وتقليص نفوذ الشرطة الدينية في المملكة، كما تم إطلاق تغييرات ثقافية واسعة، تشمل منح النساء حق قيادة السيارات، وكذلك الاحتفال الشعبي بالأعياد الوطنية وحفلات الترفيه.
ولهذا، تبدو مساعي تركيز السلطة في يد ولي العهد السعودي مساعيَ إلى ما هو أكبر، وهو 
"مع تركيز السلطة تتركز المسؤولية السياسية وسيتحمل ولي العهد المسؤولية الكاملة عما يحدث في المملكة"
إعادة بناء النظام السعودي نفسه، ولو بالتخلي عن قواعد أساسية لعمل النظام السياسي السعودي، تم الاعتماد عليها في الماضي، مثل توزيع المؤسسات الأمنية والثروة على أفرع مختلفة من الأسرة الحاكمة، لضمان عدم انفراد أي منها بالنفوذ، والاعتماد على دعم المؤسسة الدينية، وكذلك الاعتماد على سياسات الدولة الريعية، والتي تضمن ولاء الشعب السعودي بتوزيع عوائد النفط.
وتجب الإشارة هنا إلى إعلان محمد بن سلمان خططاً لتحديث الاقتصاد السعودي في الأعوام المقبلة، بشكل يعطي دوراً أكبر للقطاع الخاص في مختلف المجالات، وفي مقدمتها إدارة الثروة النفطية نفسها، حيث ينوي ولي العهد طرح بعض أسهم شركة أرامكو السعودية للنفط في الأسواق الدولية في العام المقبل، وهي الصفقة أو الفرصة التي تنتظرها الأسواق الدولية.
ولفهم مستقبل تلك التغيرات الكبرى المتسارعة، وإمكانية نجاحها من عدمه، وتبعاتها على استقرار المملكة ونظامها السياسي، يجب أن نتوقف قليلاً مع خصائصها والسياق الذي تدور فيه، وهنا يمكن رصد ما يلي:
أولاً: تتم تلك التغييرات في سرية شبه تامة، وبشكل مفاجئ في أغلب الأحيان، خصوصاً فيما يتعلق بالتغييرات السياسية والأمنية، في غياب الأطر المؤسسية التي تضمن قدراً من الشفافية من ناحية، والطمأنينة من ناحية أخرى، وهو ما يجعل عمليه التنبؤ بتلك التغييرات ومصائرها مهمة غاية في الصعوبة. ويضعف من فرص طمأنة المتابعين في الداخل والخارج على المستوى البعيد، فكيف يطمئنون لهذا الكم من التغييرات الكبرى والسرّيعة والسرية؟
ثانياً: لا تقترن التغييرات المتعاقبة وعملية إعادة تركيز السلطة، أو إعادة بناء النظام السياسي السعودي، بأي محاولة للانفتاح السياسي، أو بناء دولة مؤسسات، بل تقود في معظمها في اتجاه عكسي، حيث تقضي على التنوع والتعدّدية المحدوديْن القائمين داخل النظام السعودي، ولو وسط الأسرة الحاكمة نفسها، والتي كانت يسيطر الأمراء النافذون فيها على مؤسسات أمنية وإعلامية واقتصادية كبرى مختلفة، باتت تتركز حالياً بشكل متزايد في يد الحاكم. وهذا يعني أن فرص التعبير عن التنوع في مدخلات السياسة السعودية ومخرجاتها في تراجع كبير، في ظل تراجع التنوع المحدود القائم في دوائر صنع القرار وتنفيذها.
ثالثاً: تتميز التغييرات بالسرعة الهائلة والضخامة واسعة النطاق، ولا تقابل، في معظم الأحيان، بردة فعل داخلية قوية، فإطاحة ولي العهد الأمير محمد بن نايف عن ولاية العهد تمت من دون مقاومة تذكر، والقبض على بعض أشهر الدعاة وأكثر الأمراء نفوذاً وثراء تم كذلك، وهو أمر يثير الدهشة والتساؤل بشأن قدرة المملكة على تحمل كل تلك التغييرات من ناحية، وغياب أي مؤسسات من شأنها التحكّم في سرعة التغيير وحجمه أو ترشيده. ومع تركيز السلطة، يصبح التغيير في أي اتجاه، سواء سلبياً أو إيجابياً، أمراً وارداً في غياب أي مقاومة ظاهرة.
رابعاً: وهذا لا يعني أن التغييرات الجارية لا تقابل بأي معارضة، فالواضح أنها تواجه تحدياتٍ مختلفة، فأسعار النفط متراجعة، والبطالة منتشرة، والاقتصاد السعودي يواجه تحدي الخصخصة الصعب للغاية، والمملكة تواجه حرباً ممتدة في ، وتنافساً إقليمياً محتدماً مع إيران، وتحدياً أمنياً مع الجماعات المتشدّدة، ولابد أن تلقى التغيرات السريعة الجارية معارضة، ولو من المتضررين منها، مثل بعض أعضاء الأسرة الحاكمة.
خامساً: تجري التغيرات السابقة في ظل دعم شخصي واضح من الرئيس الأميركي دونالد 
"هناك أدلة واضحة على أن دعم ترامب الشخصي لسياسات ولي العهد لا يقترن بالضرورة بدعم أميركي طويل المدى"
ترامب، والذي يبدو مناصراً بوضوح مع توجهات الملك سلمان وولي عهده، ولكن هناك أدلة واضحة على أن دعم ترامب الشخصي لسياسات ولي العهد لا يقترن بالضرورة بدعم أميركي طويل المدى، أو حتى بدعم حالي كافٍ من مؤسسات الحكم الأميركية نفسها، كالخارجية والدفاع، وتعد أزمة حصار قطر النموذج الأبرز لذلك.
النتيجة المنطقية لما سبق أنه مع تركيز السلطة تتركز المسؤولية السياسية، وسيتحمل ولي العهد السعودي، بشكل متزايد، المسؤولية الكاملة عما يحدث في المملكة. وسيصبح من الصعب إقناع رافضي تلك السياسات بأن ولي العهد غير قادر على الإصلاح، بسبب مقاومة مراكز القوى المعارضة له داخل الأسرة الحاكمة أو المملكة، فمع سيطرة ولي العهد المتزايدة على تلك المراكز سيتحمل وحده تباعاً المسؤولية عن كل ما يحدث.
وقد يُكتب له النجاح، ويصير مؤسساً لنظام حكم جديد حديدي، تتركز فيه الثروة والسلطة بشكل شبه مطلق في الحاكم وحده، وليس في الأسرة الحاكمة. وبدون شك، لن يكون النجاح سهلاً، حيث سينبغي على ولي العهد مواجهة تحديات داخلية وخارجية، غاية في الصعوبة، في مقدمتها تنشيط عجلة الاقتصاد السعودي، في ظل تراجع أسعار النفط، ومواجهة تبعات التغيير الثقافي والديني السريع في المملكة، وتحقيق الاستقرار الأمني وضمان عدم ظهور انقسامات سياسية داخلية، وخصوصاً وسط المؤسسات الأمنية.
وسينبغي عليه، في الوقت نفسه، إدارة تحديات خارجية صعبة، كالعلاقة مع إيران والأزمة الخليجية والعلاقات الدولية في فترة ما بعد نهاية حكم ترامب، من دون التعرّض لخسائر سياسية ودبلوماسية، تضعف صورته الداخلية.
هذا بالإضافة إلى مهمة الحفاظ على النظام الجديد القائم على تركز السلطة والمسؤولية وغياب التنوع والمؤسسات القادرة على امتصاص المعارضة والتغيير، فتركز السلطة يسهل عملية الاستيلاء عليها. وتركز المسؤولية يركز سخط المعارضين، وغياب التنوع يحرم المعارضين والنظام من فرص التغيير الهادئ، وضعف المؤسساتية يفتح الباب للتغيرات الضخمة المفاجئة، لو تمكّن المعارضون في تجميع أنفسهم تدريجياً، ولو بعد حين، فلكل نظام خصائصه.

أخبار ذات صلة

0 تعليق