الخلْ الوفي: عتابيّة آسرة على أنغام بحر الرمل

الإتحاد 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

قراءة - محمد عبد السميع

تجارب الحياة والخوض في أمورها اليومية والاختلاط بالبشر والاحتكاك بكل ما يهمُّهم حتماً يكسبنا الخبرات الكثيرة التي تمنحنا القدرة على التصرف السليم في أمورنا الحياتية، نعم هي الخبرات المتراكمة التي تهبنا العقل الراجح في إدارة شؤوننا اليومية بمزيد من الحكمة والتعقل، وتجعلنا قادرين على الحكم على الآخرين وحسن التدبير والروية في التعامل مع الناس، إنها الحكمة الصائبة التي تنير لنا دروب الحياة بمصابيح من الفكر السديد والتخطيط السليم، وعلى المجرب الخبير الحكيم أن ينقل خبراته ويهديها في ثوب النصائح المزركشة بالود والمحبة لمن يحب لكي تكون له معيناً في حياته وخصوصاً التعامل مع الناس، فيكون الحكم عليهم حكماً صائباً لا شية ولا زيغ فيه، فالصديق الحق نادراً ما نجده بسهولة في هذا الزمان.

اشتغال فني موفَّقفي عتابيّةٍ آسرةٍ على أنغام بحر الرمل، «فاعلاتن فاعلاتن فاعلات»، وبمهارته المعهودة، وثقافته الواسعة، وحسن توليفه بين اللفظ والمعنى، يستعير صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم «الخلّ الوفي» موضوعاً للعتاب الشفيف الذي ينمّ عن شاعرٍ عركتْه التجارب وعلم كيف يفرّق بين الأخلاء والمتقلبين، في قصيدة من عيون شعره، فيها يعذر قلّة تجربة المُحبّ وربما عجلته في الثقة بكلّ المارّين العابرين، مثلما هو يضعه بصورة وفائه وبقائه على العهد أبد الدهر.

وإذا كان «الخلّ الوفي» ثالث ثلاثة يستحيل وجودها «الغول، والعنقاء والخلّ الوفي»؛ فإنّ استهلال سموّه بهذا هو اشتغالٌ فنّيٌّ موفّق، فمع استحالة وجود الخلّ الوفيّ، إلا أنّ الشاعر يبقى خلاً وفيّاً لا يتزحزح عن وفائه لمن أحبّ، وفي ذلك كسرٌ لتوقّع القارئ أو السامع؛ فهناك من يخالف هذا الاعتقاد السائد الذي ترسّخ عند الناس في قاموس الحب.

إنّها النصيحة التي تصل إلى القلب بتحببٍ دونما مباشرةٍ في الوعظ، وهي في الوقت ذاته رحابة صدر الشاعر المحبّ الذي يصبر على حبيبه دائماً ويظلّ ينصحه، فـ«من رابع المستحيلات» أن ينسى سموّه العهود والمواثيق، وفي ذلك أيضاً استفادة موفّقة جداً للشاعر مما تعارف عليه الناس، في أنّه جعل نسيانه الحبيب مستحيلاَ يُضاف إلى المستحيلات الثلاثة، مع أنّه صاغ من نفسه في الأبيات الأولى خلاً وفيّاً يخالف ما اعتاده الناس من استحالة هذا الأمر. إذن هو خلقٌ وابتكار وفرادة في الاشتغال على الفكرة- الثيمة- واستيلاد المعنى، للولوج إلى غرض القصيدة في النصح، فبدلاً من أن يحلف سموّه أغلظ الأيمان ويؤكّد العهود والمواثيق بيتاً بيتاً نراه استهلّ مستفيداً من مثلٍ دارج أو قولٍ متداول، وتلك هي عبقريّة الشعر في لفت الانتباه والجذب بالمعاني، إذ ينطلق سموّه بعد ذلك بشيءٍ من اللوم الليّن المترفّق من غير غلظة، ضاحكاً ربما أو ربّما عليماً بنوازع النفس البشريّة من طول تصديقها وعدم استفادتها من كثرة التجارب، التي أثبتت صدقه في الحبّ وزيف غيره الذي لم يكن غير أوهامٍ تتراكم على أوهام، لكنّه يعذر، مع كلّ هذا، عطف محبّه الذي يُحكّم عاطفته لا عقله ويظلّ معتقداً بالخلّ الوفي الذي لا يستقرّ على عهد، ولذلك جاءت قوّة التشبيه «عابر سبيل» لتدلّ على هذا اللااستقرار، فهو باقٍ وغيره يذهبون، فكأنّ المُحبّ مَنهلٌ عذب يرد عليه كثيرٌ ثم يغادرون، بينما يظلّ هو الثابت وغيره المتغيّر، ولا يجاوز الأمر لديه أحد أمرين: إمّا البراءة أو السّذاجة في أن يظلّ يميل قلب الحبيب إلى غيره على الرغم من كلّ هذه الدلائل والقرائن الواضحة وضوح الشمس، وهنا ثمة دعوةً مبنيةً على حجج وعلم وتجربة إلى التوقّف عن هذه البراءة في هذا الموضوع.

ويواصل سموّه السير الشعري ليشرح قلّة «هل الفزعة» وكثرة «الزيف» في هذا الزمن بالذّات، وشيوع الزلّات والأخطاء، وانتشار أصحاب المواقف الهزيلة، فهؤلاء تفضحهم ساعات الشدّة التي عبّر عنها سموّه بـ«حزّة الحزّة»؛ إذ يظهر ذلّهم وعدم وفائهم، فماضيهم غير مشرّف، كما أنّ التجارب تكشف عن معادنهم، وفي ذلك تشبيه قوي حيث لا يصمد أمام النار أو المواقف العصيبة غير المعدن النفيس الأصيل الذي يُمتحن بالشدائد والعسيرات من الأمور.

ويطيب لصاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد أن يكثّف التشبيه، وأن يحثّ متلقيه على الإيمان بخبرته في الحياة، فيعمد إلى اقتناص صورٍ مهمّةٍ الخيلُ جزءٌ أصيل فيها، حيث «الصديق الصّدق مثل وصوف خيل»، وحيث «نادرة في الخيل لي ما تخلفي»، بمعنى أن الخيل الأصيلة لا تنكص في الميدان أو حين ازدحام الخيل، بل هي لا تخلف ظنّ صاحبها أو فارسها أو الناس بها في الميدان، فلها أوصاف عند العارفين والفرسان، وهي ذات قيمة معياريّة تجعلها غالية في مواضع الأصالة والقوّة والجمال والخير، وكلّ ذلك جاء به الشاعر لتأكيد مقدرته على معرفة المعادن وتجربته الطويلة التي يصنّف بها البشر بدلائل يعلمها ويتيقّن منها، فهي دلائل وعلامات لا تخذله على الإطلاق، كيف لا، وهو فارسٌ مجرّب يعلم طبائع الخيل- التي هي الأقرب للبشر في صفات النبل والأصالة على وجه التحديد- ويروّضها، ويعلم ميدانها، ولذلك، فإنّه جديرٌ بأن يعرف طبائع البشر ويقف على أصنافهم ويفرّق بين الجميل والقبيح والأصيل والرديء منهم بناءً على فراسته التي نالها بأصله الطيّب والتجارب الكثيرة التي مرّت على عقله ووجدانه، فهو مشغول بهموم الناس وأفعالهم، حتى وإن «ربا تحت الظليل»، فما إن يخلد للنوم حتى تتوارد عليه الأفكار وهموم الناس التي تشغله عن النوم، وفي ذلك صورة قويّة لمن ينوب عن الآخرين في تحمّل همومهم، وإنّ فارساً شاعراً مجرّباً مثله يستحقّ أن نثق به وبرأيه، ونتمثّل به، تماماً مثلما يجب على «المهاة» التي تميل مع «الظلّة»- وهو دليل عدم المكوث أو التقلّب في الحب- أن تستمع إلى نصحه الجاد، وهو نصحٌ منفردٌ عمن سواه وموثوق، بل لن تجد هذه «المهاة» مثيلاً له في هذا، فإن وجدت- وهو المستحيل بعينه- فإنّ لها الخيار أن تكتفي بغيره وأن تأنس به دون سواه، وذلك نوعٌ من التحدّي ووجهٌ من وجوه الفرادة أو الصدارة في هذا الميدان.

دلالياً، تبدو مساحة التأويل واسعةً جداً، وهي ميزة قويّة تضاف إلى رومانسيّة سموّ الشيخ محمد بن راشد وتصاويره العذبة؛ فهل يختبر سموّه بالقصيدة- التي تبدو وكأنها عتاب لحبيبة- القصيدة، بمعنى أن يفتخر بأنّه الأقرب إليها بما مرّ عليه من معرفة وما تكوّن لديه من خبرة؟!.. فكأنّ القصيدة حبيبة يعاتبها ويظهر لها محبته وأنّه الأجدر على أن تثق به، وما ذاك إلا لأنّه فارسها؛ يعلم طبائعها وصفاتها ويستبطن مفاوزها وسهولها وجبالها وصحراءها وجفافها وليونتها.. يمكن أن نتصوّر ذلك، ويمكن لنا أيضاً أن نتصوّر أنّه إنّما يبعث بالنصيحة إلى عزيزٍ يؤكّد فيها بقاءه على العهد، وعدم تقلّبه مع المتقلبين، وتلك تورية، أو قناع شعري لإيصال الرسالة.. بل ربّما هو يخاطب الخيل- التي هي قصيدة في نهاية المطاف تلين وتستجيب وقد تتمنّع في أحيان.. وفي كلّ ذلك ما يُؤكّد أننا أمام شاعرٍ يعرف كيف يطوّع المحسوسات في قصائد كلّما سرنا فيها وفي تفاصيلها اكتشفنا أننا ما نزال على ضفاف بحرٍ لم نغص في أعماقه بعد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق