ثنائيات نجمية عربية تلمع في سماء الصيف

الجزيرة 0 تعليق 10 ارسل لصديق نسخة للطباعة

وربما اشتهر النجم وحيدا في السماء كما هو حال نجم الفرد ونجم فم الحوت ونجم العيوق ونجم يد الجوزاء، لكن الأوضح أن العرب قد قرنت بين النجوم أزواجا، كـ"السماكان، والشِّعريان، والهرّاران، والنّسران ، والفرقدان، والضفدعان، والمِرزمان، والذئبان، والظليمان"، وكلها نجوم زوجية قرنت العرب ظهور واحدها بظهور قرينه واتجاهه، فلا يعود خفيا على ذلك المسافر في أي اتجاه يسير، ومتى يلزمه أن يقيم.

فشروق قلب العقرب ذلك النجم الأحمر في برج العقرب من ناحية الجنوب الشرقي يتزامن مع شروق النسر الواقع (فيغا) من الأفق الشمالي الشرقي، ولأنهما كذلك، أطلقت العرب عليهما اسم الهرّاران لأنهما يهرّان أي يشرقان معا.

وكذلك السِّماكان اللذان يرتفعان صيفا في السماء حتى يبلغ الأول منهما -وهو السِّماك الرامح ألمع نجوم كوكبة العواء- سَمْت السماء، وهو الذي لطالما تغنى به العرب في أنشودتهم الشهيرة "موطني موطني... هل أراك في علاك تبلغ السِّماك". وقد سمي بالرامح لأن العرب شبهته بحارس للسماء واقف وبيده رمح منتصب أمامه، ولهذا الرمح عذبتان من أعلاه ومن أسفله، وهي قطع صغيرة من القماش التي تربط كزينة تتمايل مع الهواء. في حين أن السِّماك الآخر أعزل في برج العذراء بلا رمح.

d7eba3e719.jpg
تخيلت العرب السماك الرامح حارسا للسماء يمسك برمح له عذبتان واحدة في أعلاه والأخرى في أسفله وكل منهما لها نجمان (الجزيرة)

وهناك الفرقدان في الدب الأصغر أو ما يعرف عند العرب ببنات نعش الصغرى، وهما ألمع نجمين قريبين من النجم القطبي، لذا لا تراهما يغيبان أبدا، وفيهما قال عمرو بن معديكرب واصفا اجتماعهما وعدم فرقتهما:
وكلُّ أخٍ مفارقُهُ أخوه .. لعمرُ أبيك إلا الفرقدان

وقد أطلقت العرب على الألمع منهما اسم أنور الفرقدين، في حين دعت الآخر بأخفى الفرقدين. ومن اسميهما اشتق اسما النجمين الآخرين في المربع: أخفى وأنور مكتوبة في الخرائط الفلكية بحروف لاتينية.

60463e55a2.jpg
الفرقدان هما أقرب نجمين لامعين إلى القطب يعرف ألمعهما بـأنور الفرقدين ويعرف الآخر بـأخفى الفرقدين (الجزيرة)

أما النسران، فهما نسر واقع وآخر طائر، فالواقع في كوكبة العقاب قد ضم جناحيه، وهما نجمان يشكلان معه مثلثا صغيرا متساوي الأضلاع، فوقع، في حين أن الطائر في كوكبة الدجاجة قد مد جناحيه، وهما نجمان عن يمينه وعن شماله، فطار بهما. وكل هذه النجوم تحمل أسماءً عربية أصيلة، لكنها تعرضت للتحريف حين كتبت بحروف لاتينية عبر قرون عديدة من النقل والترجمة والتصحيف.

2ec1a81523.jpg
النسر الطائر، صورة الصوفي كما رسمها في كتابه صور الكواكب وفيها يمد النسر جناحية ويطير (الجزيرة)

ويعود الفضل في تثبيت هذه الأسماء وقصصها بنجوم السماء إلى علماء الفلك المسلمين أمثال عبد الرحمن الصوفي والبيروني والبتاني الذين طبعوها في كتبهم وعلى الكرات السماوية النحاسية والفضية التي كانوا يصنعونها وعلى صفائح الإسطرلابات التي ملأت الدنيا بعد ذلك وانتقلت إلى أوروبا عبر الأندلس.

ولأن هذه النجوم اللامعة هي معالم السماء التي لا ينفك الفلكيون يستخدمونها في أرصادهم، وأكثرها يحمل أسماءً عربية، فقد حفظها التراث الفلكي لتبقى منقوشة على صفحات خرائط السماء الحديثة. بل إن بعضاً من أسماء أبطال القصص العربية للنجوم أخذت تظهر حديثا على نجوم خريطة السماء في التطبيقات الفلكية المخصصة لأجهزة الهواتف النقالة والحاسوب، لم تكن موجودة من قبل أمثال رجل العواء، ومنخر الأسد، والرخ والعوائذ وغيرها.

ويبلغ عدد النجوم التي تحمل أسماءً عربية في خريطة السماء المعتمدة من قبل الاتحاد الفلكي الدولي 160 نجما فقط، في حين أن هنالك ما يربو على ضعفي هذا العدد بين النجوم وفي الخرائط والكتب والبرمجيات الفلكية المنوّعة، جميعها لها أصول من قصص الصحراء أو منازل القمر أو الشعر العربي.

________________
*عضو الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك

أخبار ذات صلة

0 تعليق