الغفران من مقتضى رحمة الله.. يعفو عن التائبين

الإتحاد 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

أحمد محمد (القاهرة)

قال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، طلع علينا رسول الله من الباب الذي دخل منه، بنو شيبة، ونحن نضحك، فقال: «ألا أراكم تضحكون!»، ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع إلينا القهقري، فقال: «إني لما خرجت جاء جبريل عليه السلام، فقال: يا محمد يقول الله عز وجل: لم تقنط عبادي؟، (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، «سورة الحجر: الآية 49».

قال الإمام القرطبي، نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم، هذه الآية وزان قوله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد»، وهكذا ينبغي للإنسان أن يذكر نفسه وغيره فيخوف ويرجي، ويكون الخوف في الصحة أغلب عليه منه في المرض، وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم، خرج على الصحابة وهم يضحكون، فقال: «أتضحكون وبين أيديكم الجنة والنار فشق ذلك عليهم، فنزلت الآية، فالقنوط إياس، والرجاء إهمال، وخير الأمور أوساطها.

وقال الإمام ابن كثير، أخبر يا محمد عبادي أني ذو رحمة وذو عقاب أليم، وهذه الآية الكريمة، دالة على مقاميّ الرجاء والخوف، قال مصعب بن ثابت: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناس من أصحابه يضحكون، فقال: «اذكروا الجنة واذكروا النار»، فنزلت (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ).

وقال الشيخ محمد أبو زهرة في «زهرة التفاسير»، الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو تقريب لمن في قلوبهم رجاء الإيمان، وترهيب لمن يصرون على الشر إصرارا، والتنبيء الإخبار بالأخبار الخطيرة ذات الشأن، وأي خطر أعظم من أن يكون منعا لليأس من رحمة الله تعالى، وأعظم من منع من يستمر في غيه بعيدا عن طريق الله تعالى.

ونبئ عبادي، أخبرهم ذلك الخبر الخطير في ذاته، الدال على عظمة الخالق في رحمته وفي عذابه أني أنا الغفور الرحيم، أكد سبحانه وتعالى هذين الوصفين لذاته بـ«أن» وبالضمير والصفتين المتشابهتين، فهو سبحانه يغفر لعباده لمن تاب وآمن وعمل صالحا، وإنما التوبة للذين يعملون السوء بجهالة، ثم يتوبون من قريب، ويدعوهم سبحانه لأن يتوبوا ليغفر، فيقول سبحانه: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»، (سورة الزمر-الآية 53)، وإن هذا الغفران من مقتضى رحمته لأنه يريد لعباده أن يكونوا أطهاراً وأن يموتوا أطهاراً، ومن تدنس من أدناس العصيان يطالبه بأن يدحضه عن نفسه، ليغفر له برحمته، ويريد من عباده أن يعلموا الصبر والشكر نهاية أعمالهم في الدنيا، وقدمت المغفرة على العذاب، لسبق رحمته غضبه.

وقال الإمام الشوكاني في «فتح القدير»، جملة ونبئهم عن ضيف إبراهيم، معطوفة على جملة نبئ عبادي، أي أخبرهم بما جرى على إبراهيم من الأمر الذي اجتمع فيه له الرجاء والخوف، والتبشير الذي خالطه نوع من الوجل ليعتبروا بذلك ويعلموا أنها سنة الله سبحانه وتعالى في عباده، وأيضا لما اشتملت القصة على إنجاء المؤمنين وإهلاك الظالمين كان في ذلك تقريرا لكونه الغفور الرحيم وأن عذابه هو العذاب الأليم.

قال الإمام أبو السعود في تفسيره، نبئ عبادي وهم الذين عبر عنهم بالمتقين أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم، لما سلف من الوعد والوعيد، وتقرير له، وفي ذكر المغفرة إشعار بأن ليس المراد بالمتقين من يتقي جميع الذنوب كبيرها وصغيرها، وفي وصف ذاته تعالى بها، وبالرحمة على وجه القصر دون التعذيب، إيذاناً بأنهما مما تقتضيهما الذات.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق