أسعار العقار.. بين تكلفة البنى التحتية ونضج صناعة التمويل

جريدة الرياض 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

تواجه السوق العقارية ضغوطات شديدة منذ ثلاث سنوات تزامنت مع سياسات وإصلاحات اقتصادية تقشفية مثل زيادة الرسوم ورفع الدعم وتقنين بعض المشاريع التنموية والرأسمالية؛ حيث انعكس ذلك في انخفاض نسب نمو القطاع الاقتصادي غير النفطي إلى أرقام متدنية جدا.

هذه الضغوط على القطاع العقاري تتمثل في انخفاض أسعار النفط وانخفاض السيولة وتغير مستويات الدخول (انخفاض القوة الشرائية للأفراد) وتغير فلسفة ووتيرة السياسات والبرامج الإسكانية وعدم استقرارها كل هذه العوامل أتت بعد أن شهد القطاع عقدا كاملا من النمو الكبير في أسعار الأصول العقارية بجميع أنواعها وبنسب نمو متزايدة وارتفاع عام في أسعار السلع والخدمات.

كل هذه العوامل ولدت قناعة عند قطاع عريض من الناس أن الأسعار لا محالة في سبيلها للانهيار وزاد من تلك القناعة عاملان مهمان الأول: جانب إعلامي في مواقع التواصل، والثاني: الفطرة البشرية تميل عادة إلى الارتياح لفكرة أن كل صعود يتبعه هبوط.. وهذا وإن كان ظاهرا تؤيده طبيعة الدورات الاقتصادية لكن ليس على عواهنه؛ حيث لكل دوره خصائصها وأسبابها كما أن ليس كل موجة صعود بالضرورة تتبعها موجة نزول وهذه قاعدة مهمة يجب أخذها في الحسبان، خصوصا في سوق العقار؛ حيث شهدت عدة أسواق عالمية موجات صعود قوية لم تنتهِ بهبوط وإنما بتهدئة فقط للسوق وهذا له أسباب كثيرة لسنا في مجال شرحها في هذا المقال.

لكن يظل السؤال الأكبر قائما: لماذا لم نشهد هبوطاً قويا للأسعار كما توقع الكثيرون؟ لماذا في ظل انخفاض الطلب وإحجام الكثير عن السوق مازالت الأسعار "مرتفعة" في نظر الكثير؟ لماذا يصر السوق أن يخيب آمالنا ولا ينزل للمستوى الذي يعتقد الكثير أنه مناسب؟

في الحقيقة الإجابة تكمن في معرفة مفهوم اقتصادي مهم يتمثل في "مرونة العرض" وقدرته على تلبية الطلب المتزايد في اقتصاد النسبة الغالبية فيه للشباب ومعدل النمو السكاني فيه مرتفع، كما نعلم أن الطلب والعرض جانبان مهمان في تكوين صورة مكتملة عن آلية عمل الأسواق؛ فانخفاض الطلب يؤدي إلى نزول الأسعار، وكذلك ارتفاع العرض يؤدي إلى نفس النتيجة؛ حيث إن منحنى العرض يتوافق طرديا مع الأسعار فكلما زادت الأسعار زادت الكميات المعروضة في السوق العقاري.. لكن هل هذا الكلام صحيح في السوق العقاري؟ هل تزيد الوحدات المعروضة في السوق بنفس نسبة الزيادة في الأسعار (بمعنى هل إذا زادت الأسعار 30 % يرتفع معدل إنشاء وتطوير وحدات سكنية جديدة بنفس النسبة 30 % أعلى أو أقل؟). مرونة العرض تقاس بعدد الوحدات المطروحة للسوق سواء أراضٍ أو مبانٍ، ومن المعلوم أننا نشهد في المملكة -كما في دول أخرى حول العالم- ظاهرة تتعلق بمرونة العرض المنخفضة بمعنى أن عدد الوحدات المعروضة في السوق لا يتوافق مع زيادة الطلب الحاصل في السوق في حالات النمو الاقتصادي. أي أن العرض لا يستطيع أن يتجاوب بشكل سريع وآني مع الطلب وذلك بخلق وحدات سكنية أو أراضٍ قابلة للسكن ومكتملة الخدمات كافية.

بلا شك إن رسوم الأراضي تعتبر عاملا مساعدا في تحفيز العرض لكن بدون منظومة تحفيزية واستثمار حقيقي في مشاريع بنى تحتية من قبل الدولة وشراكة مع القطاع الخاص في تطوير مشاريع إسكانية يظل تأثير الرسوم محدودا في إحداث زيادة كبيرة في العرض، كما أن استثمارات البنى التحتية والتطوير تنطوي على تكلفة هائلة، ويبرز تساؤل هنا من يتحمل هذه التكلفة وما هي انعكاساتها على الأسعار، من الواضح أن الأنظمة الحكومية وتعقيداتها وصعوبة توفير البنى التحتية اللازمة بشكل يتوافق مع النمو الهائل في السكان والمدن وعدم نضج صناعة التمويل العقاري وكذلك عدم كفاءة المنتجين العقاريين (مطورين ومستثمرين بأنواعهم) كلها عوامل تساعد على تكوين هذه الصورة. ولن يتغير السيناريو برأيي إلا بنظرة شاملة لاقتصاديات السوق وتوازناته والعوامل المؤثرة فيه بعيدا عن العواطف وتجاذبات الأطراف المعنية، هذه النظرة يجب أن تكون مصحوبة بثورة عقارية في الأنظمة والحوافز العقارية ودخول لاعبين أقوياء ومؤسسات مالية وجهود جبارة من دراسة وتحليل للسوق وتغيير ثقافة طالبي السكن باختصار منظومة عقارية متكاملة من الإستراتيجيات والأنظمة والإجراءات والحوافز والخدمات.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق