كلمات من دفتر الأحوال…(7)

الوطن العمانية 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

كاظم الموسوي

كلفت بصفحة الاثنين لثقافة الشباب، ونظمتُ اجتماعات ولقاءات لأدباء وفنانين شباب من بغداد والمحافظات القريبة، وتصدرت الصفحة أسماء عديدين من المبدعين، الذين ساهموا، بعدها، في تحرير صحف المهاجر والمنافي، والذين ربتهم الصفحة والجريدة، وطورت مواهبهم وقابلياتهم، ومن ثم أصبحت الصفحة بإشراف الشاعر الكبير سعدي يوسف، والقسم الثقافي، بعد عودته إلى الوطن.

كنت قد كتبت هذه الكلمات من زمن ما، ووددت أن أكتب شيئا مفصلا عن تلك الأيام والأحوال، أوسع مما سطرته هنا، ولكني أقنعت نفسي بأنها أيام وأحوال، وقد تأتي في السياق أيضا، لذلك أعيدها، رغم كل المتغيرات بعدها، أو تذكر ما قاله الفيلسوف هيراقليطس في ديالكتيكه، ومثاله في عدم قدرة الإنسان أن يغتسل مرتين في ماء النهر الجاري نفسه، ولكن تبقى المياه هي الجارية دوما، والحقائق مثلها.
حين رن تلفون مكتبي ورفعت سماعته، وسمعت صوت الرفيق الدكتور ماجد الياسري بعد انقطاع… استرجعت تلك الأيام التي كنا معا فيها في بغداد، نجول في مقاهيها، مكتباتها، شوارعها. وحين طلب مني المساهمة في الملف الخاص عن “طريق الشعب” عدت إلى تلك الأيام أيضا. وكأني أنتقل في شاشة الصداقة، والتاريخ ومسلسل الرفقة والشباب والسياسة، إلى مسلسل الواجب والالتزام والشعور بالمصير المشترك، والعطاء، والأيام الحلوة والمرة، وأشياء كثيرة لا تكفيها الكلمات. رغم كل ما حال دونها عبر تلك الأيام.
كانت جريدة “طريق الشعب”، (صدرت علنية في 16 ايلول/ سبتمبر 1973) اسما على مسمى، بلون عنوانها الأحمر وشعاراتها، ومانشيتها المتميز وصفحاتها الثماني المعبرة عن تلاوين المجتمع وهيئاته وأقسامه وفعالياته، وأعمدتها وزواياها التي تحمل أسماء معروفة، وجديدة، في شتى الأصعدة، سياسية وثقافية ونضالية. منها أسماء تتكرر كل يوم، وأكثرها تبدأ بـ”أبو” تيمنا بالطريفة التي تنقل عن الفلاح البشمركة الكردي في تعليقه على قائمة أنصاره العرب في كردستان! وسؤاله؛ كيف تعرفونهم وكلهم اسمه (أبو)؟!
أين هي تلك الأيام؟ هل بقي منها غير الذكريات؟ وأية ذكريات تسجل، وقد تقطعت شجرتها بخناجر عديدة، وأكثرها من أبنائها المحتضنين لها، وتقاطعت فيها ومعها الدروب والمسافات؟
وحتى لا أستطرد في الأسئلة وتداعياتها، وما زال رنين الهاتف في الأذن وشاشات التذكر والمنافي والمهجر والتوزع تحت نجوم السماء قائمة معه، ألحَّ عليَّ قلمي أن يسطر شيئا، حتى ولو هوامش، مشاركة وتسجيلا، واستمرارا لذاك النسغ، والجذر الذي ما هوى.
حين صدرت الصحيفة كنت في خدمة العلم. وما أن أنهيتها عدت إلى الحبيبة، مواصلا مساهمتي في شقيقتها “الفكر الجديد” (صدرت 1972) عاملا في صفحتها الثقافية، ومشاركا مع نخبة من أدباء العراق البارزين، ومن بينهم الزملاء: فاضل ثامر، ياسين النصير، صباح الشاهر، حميد الخاقاني، يوسف الصائغ، والفرد سمعان، يسهم معهم الأدباء الشيوعيون والمستقلون من بغداد والمحافظات، إضافة إلى الأصدقاء والحلفاء. وكانت ندوات لجنة العمل الثقافي الديمقراطي، وكنت عضوا فيها، والتي أدارها الأساتذة: هاشم الطعان، وخالد السلام، والفرد سمعان، وسعود الناصري في بيوتهم أو بيوت الأصدقاء تضم أكثر من عشرين مبدعا كل مرة، ترفد الصفحة وتتألق أسماؤهم في أعمدتها. وليس غريبا فعلا أن يتباهى كل مبدع في العراق أنه مر خلال حياته بمدرسة الحزب، عبر منظماته أو واجهاته، وتعلم منها واستفاد رغم تبدل الأحوال وتغير الأزمان. كما كان للحضور الواسع في مقر اتحاد الأدباء ومقرات النقابات الأخرى دور في الحوارات الثقافية والنشر في الجريدة.
نشرتُ في الصفحة الثقافية مقالات في النقد الأدبي وعرضا ونقد كتب وهوامش ثقافية وقراءات في التراث الفكري والصحافة اليسارية. وعلى سبيل المثال، أتذكر منها، قراءة في العدد اليتيم من جريدة “الهادي” التي أصدرها الحزب الشيوعي عام 1948 بدعم وبأسماء أصدقاء له، في فترة دكتاتورية نوري السعيد وأتباعه.. وكتب افتتاحيتها الرفيق فهد، وقد عثرت عليها في مكتبة المتحف الوطني. وللمصادفة الطريفة، بعد أن أكملت عملي في المتحف وتمشيت صوب الصالحية، التقيت (الراحل) الدكتور عبداللطيف الراوي، وحدثته عنها، فاقترح زيارة صاحب الامتياز، الذي يعرفه شخصيا، وكان قريبا منا مكانا، صاحب محل موبليات، في الجهة المقابلة لموقع المتحف. استقبلنا بحفاوة وصراحة، وذكر مصدر الدعم والافتتاحية التي أغلقت الجريدة بسببها. للأسف الشديد لا أتذكر اسمه الآن. ولم تكن الجريدة الوحيدة التي حررها الحزب في الظروف الحالكة التي مر بها في تاريخه، وما عدمت إمكانات احتضان نشاطه الديمقراطي، ولا شحت عطاءات الناس له.
كما أتذكر قراءة أخرى في دفتر السجين الشيوعي الشهيد موسى نور، بخط يده، والذي حصلت عليه من عائلته، وفيه أورد يوميات الحياة في السجن، (الخمسينيات من القرن الماضي) وجداول المحاضرات والنشاطات الثقافية المتنوعة، حيث كانت إضافة إلى دروس اللغة وتعلم التراث والآداب، دروس في فن الموسيقى، وشرح لسيمفونيات عالمية والمدارس الموسيقية، ومواضيع أخرى لإغناء الروح وشد الإنسان للحياة والجمال والإنسانية والأمل بالحرية والشمس والسلام رغم ظلام السجن، وصعوبات الظروف وقسوة الزمان.
أليس مفارقة، السؤال عما يسجل سجين ما بعد تلك الأيام في دفتره، هذا إذا بقي حيا، وقادرا على التعبير عن مشاعره؟!
في فترة العمل في صفحة الثقافة، كانت لي لأول مرة في حياتي، سفرة بالطائرة داخل الوطن، ضمن وفد الصفحة والجريدة إلى البصرة مع الزميلة الصحفية، الدكتورة سلوى زكو والزميل الناقد ياسين النصير. وفضلا عن ركوب أجنحة الهواء في ثلاثة أرباع الساعة في سماء العراق، كان الاستقبال الحافل، والحفاوة الرفاقية، واللقاءات الحميمة والسهرات الفنية والغنية في مدينة السياب والملائكة وسعدي يوسف ومحمد خضير وعبدالكريم گاصد وعبدالوهاب طاهر وناصر عبود وهندال جادر (التي ما زالت حلاوتها على طرف اللسان، كما يقال)..
إضافة إلى الصفحة النظرية، التي كانت تصدر كل يوم جمعة، والتي أعددتُ موادها لأيام عديدة للتثقيف الحزبي والنظري، من مواد شبه جاهزة، منقولة من مجلات البلدان الاشتراكية وطليعتها الاتحاد السوفييتي، كما كنا عليه آنذاك، واستلمها الرفيق حمدان يوسف (الدكتور صادق البلادي) حين أنتقل ضيفا دائما إلى بغداد من مدينته البصرة. كلفت بصفحة الاثنين لثقافة الشباب، ونظمتُ اجتماعات ولقاءات لأدباء وفنانين شباب من بغداد والمحافظات القريبة، وتصدرت الصفحة أسماء عديدين من المبدعين، الذين ساهموا، بعدها، في تحرير صحف المهاجر والمنافي، والذين ربتهم الصفحة والجريدة، وطورت مواهبهم وقابلياتهم، ومن ثم أصبحت الصفحة بإشراف الشاعر الكبير سعدي يوسف، والقسم الثقافي، بعد عودته إلى الوطن.
وما زال كلام الصديق المبدع الشهيد أبو كاطع، شمران الياسري، لي حين تفرغت للجريدة ولصفحة شؤون عربية ودولية، عالقا في بالي، وتكرر حين لقائنا في براغ بعد “خراب البصرة”! قبيل رحيله الأخير. إذ لم يكن مشجعا للتفرغ في ظل تلك الظروف، ورؤيته لآفاقها. وأبو كاطع، كاتب وروائي، حوّل قراءة الجريدة، بعموده “بصراحة” في الصفحة الأخيرة، إلى طريقة قراءة المطبوع الغربي، حيث يبدأ بالعكس من المطبوع العربي. وكانت صراحته مضرب الأمثال والأحاديث، ليس لدى القراء وحسب، بل وفي مؤسسات الدولة والحزب، صاحبة القرار خاصة. وتلك صفة بقدر ما جلبت من غضب على الجريدة والكاتب، أعطت ولأول مرة لكاتب سياسي عراقي فرادة في التأثير والتحريض والاحتجاج السياسي.
في الصفحة الثانية، شؤون عربية ودولية، التقيت كتابا وأدباء معروفين، وعملت معهم في “ورشة” الصفحة الساخنة. وكان لكل صفحة من الجريدة قسم، وغرفة مستقلة، يحرر فيها رفاق حزبيون، حينها، وفي صدر هذه الصفحة كان الزميل فالح عبدالجبار (أبو خالد)، بشعره الأرقط، الأسود والأبيض الغالب، يكتب ويترجم يوميا، ويشتغل بيديه الاثنتين، واحدة للقلم والأخرى لشعره، يعاونه حين التحاقي الزملاء: إبراهيم الحريري (ابو فادي) (زكور)، والشاعر رشدي العامل (أبو علي)، وعبدالاله النعيمي، وأسماء اخرى، مساهمة ومتدربة، (رجاء الزنبوري، هشام داوود) إضافة إلى المسؤول السياسي السابق عن الصفحة، الدكتور حميد بخش (أبو زكي) والمسؤول الجديد، الدكتور ماجد عبدالرضا (أبو دنيا)، الذي استلم الصفحة ونائب رئيس التحرير وعضو هيئة التحرير التي تختصر في المراسلات إلى (هتج) وأطلق عليها أبو كاطع اسم “هجع”!
رغم قلة العاملين في الصفحة، والجريدة عموما أو مقارنة بغيرها، كانت الطريق الصوت الأبرز في المنابر الإعلامية في العراق، والمنطقة، وكانت صفحاتها السياسية الأكثر حرارة في الاهتمام السياسي، خاصة عربيا ودوليا.
للاطلاع على الحلقات الأخرى، تراجع المدونة على الرابط التالي:

http://kadhimmousawi.blogspot.co.uk

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق