حكايات إخوانية| التلمساني المؤسس الثاني للجماعة

دوت مصر 0 تعليق 16 ارسل لصديق نسخة للطباعة

"مات عمر التلمساني صمام الأمان لجماعة وشعب ووطن" هكذا رثا الأستاذ ابراهيم سعدة، في افتتاحية "أخبار اليوم"، المرشد الثالث والمؤسس الثاني لجماعة الإخوان.

المرشد الوحيد في مسيرة جماعة الإخوان، الذي جاء من خلفية مدنية، ولم يكن عضوًا لا في النظام الخاص ولا في تنظيم القطبيين، بل كان عدوًا لكليهما لكنهم  تعاملوا مع الرجل باعتباره المخرج للتنظيم من حالة الفوضى التي ضربته، بعد أن انتهى بالفعل كتنظيم في سجون ناصر وعلى حد تعبير التلمساني نفسه لقيادة أمنية، "لقد تركنا عبدالناصر في نهاية عهده عظمًا في قفة، حتى أحيانا السادات من جديد"، وكما أحيا السادات الوجود الإخواني فكرة وتنظيمًا، أحيا التلمساني ذكر الجماعة كرقم صعب في معادلة السياسة بإقدامه على خطوات ما كان يقدر عليها رجال النظام الخاص، فمع بداية ولاية الرجل كان الإخوان قد خرجوا لتوهم من السجون والمعتقلات، وقد تشتت تنظيمهم ولم تكن الساحة الإسلامية وقتها تضم سوى الجمعية الشرعية التي أسسها الشيخ السبكى عام 1912، والتي انحسر إهتمامها في بناء المساجد والمستوصفات والعمل الخيري، وجمعية أنصار السنة المحمدية التي كانت تروج للمذهب الوهابي، وتنظيمات أخرى صغيرة كبقايا تنظيم التكفير والهجرة، ومجموعة الفنية العسكرية والجماعة الإسلامية في جامعات مصر، والتي كانت خليطًا من الشباب السلفي والجهادي وغيره، تقدم التلمساني في هذا الفضاء واستقطب بطريقته معظم هؤلاء الشباب وصهرهم في بوتقته، فمن هو هذا الرجل الذي نجح في التطبيع بين الجماعة والشارع، وأسس لصعودها السياسى مطلع الثمانينات بتحالفه مع غريمه التقليدى حزب الوفد.

يقول التلمساني عن نفسه فى مذكراته: "تعلمت الرقص الأفرنجي في صالات عماد الدين، وكان تعليم الرقصة الواحدة في مقابل ثلاثة جنيهات فتعلمت الدن سيت، والفوكس تروث، والشارلستون، والتانجو، وتعلمت العزف على العود". كما يحكى أنه كانت لديه محاولات فى كتابة الشعر والأدب، ولكنه يؤكد أنه لم يجنح إلى المعصية في حياته لأسباب كان من أهمها زواجه المبكر، والوازع الديني الذي كان يملأ روحه ووجدانه.

نحن أمام رجل مصري عاش حياته بشكل طبيعي ككل المصريين في زمانه، لم يحاول أن يسبغ على نفسه سجايا الطوباويين كما بدا في مذكرات البنا، التي لم يعرج فيها على مراهقته أو حياته الطبيعية، رجل مخلوط بماء السياسة والإجتماع المصري على زمنه، يعرف أقدار الناس يغلبه الحياء ويجيد التواصل مع كل شرائح المجتمع، أخبره أحد الإخوان أن الكاتبة سناء السعيد تستعد لكتابة حلقات تهاجم فيها الجماعة، فاتصل بها وفاتحها برغبته فى أن يشرب معها القهوة في مكتبها، فرحبت به وزارها بالفعل لتكتب بعدها زيارة كريمة من رجل كريم.

حاول الرجل أن يخرج بالجماعة إلى فضاء الوطن الواسع بعيدا عن الرؤية المغلقة للتنظيم الخاص، الذي كان الحاكم الفعلي للجماعة حتى في ظل ولايته، حاول تحرير الجماعة من آثار العنف الفكري والمادي الذي صبغ رؤية الجماعة وسلوكها في السابق.

كان الرجل ببنيته العقلية وتكوينه كمحام نشأ في عصر التنوير، وعايش مدارس ومشارب فكرية متنوعة يحب الموسيقى والزهور، ويرفض أن يتناول عصير المانجو بعد وفاة زوجته لأنه تعود أن يشربه معها، عندما بلغه خبر وفاة جمال عبدالناصر، وهو في السجن قال "يرحمه الله".

يقول عبدالمنعم أبوالفتوح، عن الرجل وتأثيره في تغيير إيمانهم بالعنف كسبيل للتغيير: "لقد ظلت هذه الفكرة مسيطرة علينا حتى أواخر السبعينات، حتى بعد دخولنا جماعة الإخوان المسلمين إلى أن بدأنا نراجعها تدريجيا، وكان للأستاذ التلمساني رحمه الله الدور الرئيسي فى حسم مسألة العنف، وتأكيد التوجه السلمي، ليس لدينا فقط نحن أبناء الجماعة الإسلامية التي قررت الإنضواء تحت لواء الإخوان، بل ولدى كثير من الإخوان المسلمين أيضًا من أجيال سابقة علين، خاصة أبناء تنظيم 1965 الذي عرف بتنظيم سيد قطب".

كان الرجل مدنيًا يريد للجماعة أن تتحول إلى حزب سياسي، وتتخلى عن الصيغة الملتبسة بين حزب وجماعة، لكنه لم يمكن من ذلك وبقيت فكرته مطمورة تحت مطارق النظام الخاص، الذي امتدت مسيرته لتقطع مسيرة التلمساني الذي ربما تبدو الجماعة اليوم بأمس الحاجة لقيادة مثله، تستعيد الجماعة من براثن العنف والمظلومية، ويقود مراجعة تعيد تأسيسها حزبًا أو جماعة، فلا يستقيم في دولة مدنية أن تجمع جماعة بينهما، وإلا لكانت العاقبة كما شهدنا جميعًا.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق