باختصار: هوية وغريب

الوطن العمانية 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

زهير ماجد

هي لغة الشعراء عندما يشعر أحدهم بأنه غريب في مسقط رأسه مثلا، مثلما يقول الشاعر الفلسطيني سالم جبران وهو يناجي مدينته صفد بالقول “غريب أنا يا صفد وأنت غريبة” .. ما أبشع أن يتحول المكان المحبب للمرء إلى سؤال عن حقيقته، هل أنت ما أعرفه أم أنك لا شيء؟
إنه السؤال الفلسطيني الدائم لشعب كل ما حوله غريب ولو أنه بين أهله كما يردد الفلسطينيون مكابرة .. أن لا تملك هوية تلك هي المشكلة التي لن تعرف فيها .. ولهذا رفع أحد التنظيمات الفلسطينية ذات مرة شعاره التاريخي أن “هويتي بندقيتي”.
لا بد أن إسرائيل تريدنا جميعا بلا هوية مثل كل الفلسطينيين .. سعيها أن تتمكن من محو كل الذاكرات العربية لنصبح غرباء على الأرض والجغرافيا والتاريخ. وتريدنا كمّا من البشر يجلسون على الموائد الغريبة فإن تم الرضا عنهم تم إطعامهم، وإلا.
ما معنى أن لا تكون لك هوية بينما لك وطن .. مفارقة صعبة وقضية شائكة، وقلب يرتجف دائما من صقيع الوحدة الخاصة التي لا تشبهها وحدة في الزمان والمكان. هو الفلسطيني من يشعر هذا الشعور أو من ينتابه خوف من أن يظل بلا هوية لتنسحب على أجياله..
كانت دائما مشكلة الهوية مثار بحث ولم يكن فيها أي اجتهاد طالما أن المرء معروف الانتماء. مشكلة الفلسطيني أن الوطن يعيش في قلبه، فيما كل واحد له وطن يعيش فيه .. فهل القضية الفلسطينية غريبة إلى هذا الحد كي تكون قصتها مستوحاة من الخيال؟ وهل شعب القضية له في الحق ما لكل آخر يعيش على سطح الأرض؟
حين حمل الفلسطيني سلاحه، راحوا إلى ملاحقته وإلى قتله فتبعثر في كل الدنيا، وحين أسقط بندقيته أكلت إسرائيل ما تبقى من أرضه، حولتها إلى سجون صغيرة، عند باب كل سجن سجان وأذرعته العسكرية. كيف لصاحب الأرض أن لا يشعر بأنه غريب وأرضه غريبة؟ وكيف له أن يظل صامتا ممنوعا عليه أن يشهر حقه في أن يكون له درع وسيف؟
ذكرتنا إحدى المحطات بذاك المتشائل إميل حبيبي الكاتب الفلسطيني الذي أراد أن يكون لغة غير مستهلكة بين الفرح والعبوس. كيف يمكن للفلسطيني أن يصل إلى هذه المرحلة؟ وكنت أرى وجوه أبناء مخميات فلسطين وهم في قمة العبوس، وجوه مشروخة من شدة اليأس ومما حملته السنين من حمولة على ظهورهم، حتى برزت عيونهم الظامئة إلى مكان أجدادهم.
هي نظرة في المستحيل قد يسأل الفلسطيني، كأنما دورة الحياة أن يعيشها، مرة بسلاحه ومرة بدون سلاح، مرة يرميه بكل هدوء، ومرة يلاحق كي لا يظل في يده. لكن سيظل يكتب دائما، لم يتعلم الفلسطيني سوى الكتابة لكي يتنفس، كلما حوصر أمسك القلم تحدث عن غد يأمل الوصول إليه، أو يكتب صورا شعرية غنية بالكلمات المباحة.
غريب وما أصعبها من كلمة، أن لا تثبت هويتك كلما نطقت بانتمائك، أن تعرف أنك من ذلك الوطن وتراه ممنوعا عليك، وأن يصدك جندي إسرائيلي تعرّف منذ لحظات على هويته وأخبروه بأن الأرض له ثم نسي العبارة لأنها ليست أصيلة في حياته التي سوف تنتهي في مكان ما إلا في فلسطين.
أكتب ذلك لأخرج القارئ من السياسة التي نسير اليوم على حافة سكينها.

أخبار ذات صلة

0 تعليق